ابن كثير

81

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة أربعين ومائة فيها ثار جماعة من الجند على أبي داود نائب خراسان ، وحاصروا داره ، فأشرف عليهم وجعل يستغيث بجنده ليحضروا إليه ، واتكأ على آجرة في الحائط فانكسرت به فسقط فانكسر ظهره فمات ، فخلفه على خراسان عاصم ( 1 ) ، صاحب الشرطة حتى قدم الأمير من جهة الخليفة عليها ، وهو عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي ، فتسلم بلاد خراسان ، وقتل جماعة من الأمراء لأنه بلغه عنهم أنهم يدعون إلى خلافة آل علي بن أبي طالب ، وحبس آخرين ، وأخذ نواب أبي داود بجباية الأموال المنكسرة عندهم . وفيها حج بالناس الخليفة المنصور أحرم من الحيرة ورجع بعد انقضاء الحج إلى المدينة ، ثم رحل إلى بيت المقدس فزاره ، ثم سلك الشام إلى الرقة ، ثم سار إلى الهاشمية - هاشمية الكوفة - ونواب الأقاليم هم المذكورون في التي قبلها ، سوى خراسان فإنه مات نائبها أبو داود ، فخلفه مكانه عبد الجبار الأزدي . وفيها توفي داود بن أبي هند ، وأبو حازم سلمة بن دينار ، وسهيل بن أبي صالح ، وعمارة بن غزية بن قيس السكوني . ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة فيها خرجت طائفة يقال لها الراوندية على المنصور . ذكر ابن جرير عن المدائني : أن أصلهم من خراسان ، وهم على رأي أبي مسلم الخراساني ، كانوا يقولون بالتناسخ ، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى عثمان بن نهيك ، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور . وأن الهيثم بن معاوية جبريل ، قبحهم الله . قال ابن جرير : فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون : هذا قصر ربنا ، فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين ، فغضبوا من ذلك وقالوا : علام تحبسهم ؟ ثم عمدوا إلى نعش فحملوه على كواهلهم وليس عليه أحد ، واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة ، واجتازوا بباب السجن ، فألقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من أصحابهم ، وقصدوا نحو المنصور وهم في ستمائة ، فتنادى الناس وغلقت أبواب البلد ، وخرج المنصور من القصر ماشيا ، لأنه لم يجد دابة يركبها ، ثم جئ بدابة فركبها وقصد نحو الراوندية وجاء الناس من كل ناحية ، وجاء معن بن زائدة ، فلما رأى المنصور ترجل وأخذ بلجام دابة المنصور ، وقال : يا أمير المؤمنين ارجع ! نحن نكفيكهم . فأبى وقام أهل الأسواق إليهم فقاتلوهم ، وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية

--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 498 والطبري 9 / 173 : عصام .